” دولاب السياسة “.. بصيرة الثابت ، وقناعة الراجع ، وثمن المرتزق !
في عالم السياسة، الآراء لا تثبت على حال ، هي تدور مع الريح ، تارةً حسب المصلحة الشخصية ، وتارةً باسم ما يُعتقد أنه مصلحة الوطن ، ما كان بالأمس موقفاً مبدئياً مقدساً ، قد يُوصف اليوم بأنه “خطأ فادح” ، وما اعتُبر خيانةً واضحة ، يُعاد تسويقه غداً تحت لافتة “البراجماتية السياسية” أو “الحكمة”،
وهنا يجب أن نفرّق ،، لسنا نطعن فيمن عاد إلى الصواب عن قناعة ومراجعة صادقة ، فهذا نضج يُحسب له ، ولا ننكر على من دار حيث تدور مصلحة وطنه ، فهذا مفهوم في ميزان السياسة ،
لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول التقلب من استثناء إلى قاعدة ، ومن مراجعة إلى مهنة ، المشكلة فيمن جعل من تبديل المواقف حرفةً يعتاش منها ، بلا ضابط من مبدأ أو قناعة ،
وهؤلاء هم “مرتزقة المواقف”، لا يعنيهم نضج سياسي ولا مبدأ ثابت ، همّهم الوحيد ، من يدفع ، يتعاونون مع أي جهة ، وأي دولة ، وأي تيار حسب الطلب ، يغيرون جلودهم أسرع مما نغير ثيابنا،
والطامة الكبرى ، أن هذا السلوك لم يعد مستنكراً ، بل صار له سوق ومبررون ، حتى بتنا نسمع ، “فلان ليس لديه مصدر رزق ، فاضطر أن يمتهن الارتزاق”،
وهذا التبرير هو أخطر ما في المشهد ، لأنه يحوّل الارتزاق من عيب أخلاقي إلى “ضرورة اقتصادية” مقبولة ، فيصبح المرتزق في نظر الناس ضحية ، ويصبح الثابت على مبدئه “جامدًا” أو “غير واقعي”، بل “غبياً ” احياناً لأنه لم يستغل مهاراته في بيع مواقفه ،
من يقود هذا الدولاب ، الإعلام وبعض الناشطين ، يبدلون مواقفهم بسرعة البرق ، وكأن الذاكرة الجماعية تُفرمت كل صباح ، الآراء القديمة تفضح التناقض ، لكن من يلتفت إليها ، الجميع مشغول بالركض خلف الريح الجديدة والمصلحة اللحظية ،
الخلاصة،
تقلب الآراء نوعان لا ثالث لهما،
1، رجوع محمود ، يولد من قناعة جديدة أو مراجعة صادقة ،
2، تقلب مذموم ، يولد من جوع الجيب أو شهوة التصدّر ،
من أسّس رأيه على مبدأ ، ثبت ولو دارت الدنيا كلها ، ومن علّق رأيه على المزاج العام أو دفتر الشيكات ، عاش في توتر دائم ، يترقّب هبوب الريح القادمة ليقلب معها وجهه ويبحث لها عن تبرير جديد ،
في زمن السوشيال ميديا ، صار التقلب أسهل ، والاعتذار للمرتزقة أعلى صوتاً ، لكن من أراد احترام نفسه قبل احترام الناس ، فليقفز خارج هذا الدولاب ، وليتمسك بما يؤمن به حقاً ، حتى لو دارت عليه كل الآراء ألف مرة ،
المبادئ لا تتقلب ، وهذا هو الحد الفاصل بين الرجال والدوّارين ،
ياسين سالم





