عاجلمقالات
أخر الأخبار

قناة السويس بين الأوز الطائر والإزاحة التاريخية (٢)

بقلم/ د. علاء رزق
رئيس المنتدى الإستراتيجي للتنمية والسلام
تناولنا فى المقال السابق أن الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني لمصر، جاءت لتؤكد أن قناة السويس ممر إستراتيجى وتجاري بالغ الأهمية للصين على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية،أما
مصر فتنظر لها على أنها ركيزة أساسية لدعم الإقتصاد، مع هدف خلال السنوات الأربع القادمة أن تكون المنطقة الإقتصادية واحدة من المراكز اللوجستية الرئيسية في العالم ،بدعم من مشروعات البنية التحتية الضخمة، وعلى رأسها دعم البنك الاسيوي للاستثمار في البنية التحتية.وقد أكدنا على أن الأهم خلال زيارة الرئيس الصيني لمصر هو تفعيل إتفاقية مبادلة العملات بالجنية واليوان لتسهيل التجارة، وهو أمر من وجهة نظرنا يحقق أكثر من هدف ، أهمهم زيادة نصيب مصر فى التبادل التجاري، مع وصول مصر لصادرات بـ 100 مليار دولار. وأنه على مصر أن تستلهم النموذج التنموي الصينى الذى حطم”نموذج الأوز الطائر”(flying geese model)، عبر نقل الصناعات كثيفة العمالة، مع الاحتفاظ بالصناعات منخفضة ومتوسطة القيمة، وفي الوقت ذاته التوسع في القطاعات عالية القيمة، وهو أمر ليس صعباً، لأن مصر قد سارت فى هذا الطريق منتصف السبعينيات من القرن الماضي ولكنها توقفت عكس تجربة الصين التى إرتكزت على إستمرارية الإنفتاح والتى وصلت حالياً إلى الخطة الخمسيةالـ 15، مع تبنى البراغماتية بدلاً من التمسك الأعمى بالأيديولوجيا وبالتالي فإننا نرى أن تحقيق إندماج مع الصين التي تمتلك أضخم منظومة تصنيع في العالم يعد مساراً مختصراً ننحو التصنيع، وليس عائقاً أمامه، وهو ما يجب أن تبنى عليه الدولة المصرية رؤيتها الإستراتيجية لما بعد مرحلة صندوق النقد الدولي،فى ظل شراكتها الشاملة مع الصين، وفي ظل عصر مليء بالتشظى وعدم اليقين.وإذا كانت الصين قد طبقت الإزاحة التاريخية عبر تحول جذري ونوعي في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والذي نقلها من حقبة تاريخية قائمة على الركود إلى حقبة تنموية مغايرة تماماً،أعادت تشكيل تموضعها محلياً وعالمياً. وتتجلى هذه الإزاحة في عدة مسارات رئيسية منها: أولا:الانتقال من نظام اقتصادي مغلق تسيطر فيه الدولة بالكامل على الإنتاج والأسعار (عهد ماو تسي تونج)، إلى نظام “اقتصاد السوق الاشتراكي” بعد إصلاحات دينج شياو بينج عام 1978. والأهم أن الصين أزاحت قيود الفكر الأيديولوجي الجامد لصالح البراغماتية (لا يهم لون القط، طالما أنه يصطاد الفئران)، مما سمح بنمو القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحويل الصين إلى مصنع العالم.ثانياً:نقل مركز الثقل الإقتصادي والسكاني من الريف والزراعة التقليدية إلى المدن والمناطق الصناعية المتطورة، أدى هذا إلى أكبر حركة هجرة داخلية في تاريخ البشرية، مما أدى في النهاية إلى إنتشال أكثر من 800 مليون شخص من الفقر المدقع.ثالثاً:التحول من دولة نامية تركز على الإكتفاء الذاتي والتحديات الداخلية، إلى قوة عظمى تقود العولمة البديلة عبر مبادرة الحزام والطريق.ليكون بداية إزاحة الهيمنة الأحادية لنظام القطب الواحد وتقديم نموذجها الخاص القائم على التنمية بدون شروط سياسية أو تدخل في الشؤون الداخلية للدول.وهو ما يدعونا جميعاً قبل إنعقاد مؤتمر أكتوبر الوطنى الذى دعى إليه الرئيس السيسى، أن نحدد مسار مستقبلى خارج المسار التاريخي المتوقع للدول النامية،لنصنع نموذجاً تنموياً يقوم على فكر الدولة التنموية الذى يجمع بين قيادة الدولة ،وآليات السوق الحر. وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى