د. علاء رزق
رئيس المنتدى الإستراتيجي للتنمية والسلام
تناولنا فى المقال السابق أن دعوة الرئيس السيسي بإعداد برنامج إقتصادي وطني لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد الدولي،قد عبرت عن رشد كامل فى عملية إتخاذ القرار،مع الإدراك الوطنى بأن التوسع في الإستثمارات الممولة بالدين يرفع أعباء المديونية، وينعكس على معدلات التضخم، بما يدخل الإقتصاد في دائرة متكررة من الإقتراض والضغوط التضخمية.وقد إقترحنا بأن ترتكز المرحلة المقبلة على برنامج إقتصادي وطني شامل تشترك فيه الأمة عن يقين،عبر إستراتيجية تمتد 25عاماً(2027-2052) ، وتتكامل مع الخطة الوطنية للتنمية العمرانيةوالمعروفة بالمخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية “مصر 2052″والتى تهدف إلى مضاعفة المعمور المصري من 7% إلى 14%، وذلك لاستيعاب الزيادة السكانية من خلال إنشاء جيل جديد من المدن الذكية والمستدامة، وتخفيف الضغط المتزايد على الوادي والدلتا، وهذا الهدف واقعيته لابد وأن ترتكز على التحول نحو إقتصاد مبتكر وقائم على التكنولوجيا والتنمية المستدامة.وليكن التوجه نحو تعزيز فلسفة الإقتصاد الكافي معبرة عن التركيز على تحقيق تنمية عادلة ومستقرة ،تمكن الدولة من مواجهة التحديات العالمية،مع تحقيق الإكتفاء الذاتي والتنمية العادلة فى ضوء أهداف التنمية المستدامة.وبالتالى فإن التوجه نحو هذا النظام، والذى نجحت فيه مصر منذ بداية القرن 19 يجب أن يكون مدعوماً بثلاث ركائز أساسية هى:أولا: الإعتدال والوسطية،عبر السعي نحو تلبية الإحتياجات الإقتصادية دون إفراط أو تفريط.ثانياً: العقلانية والمنطقية عند إتخاذ القرارات الإقتصادية بناءً على تقييم عقلاني وأكاديمي مدروس، وبما يتوافق مع القوانين،المعايير الإجتماعية، والقيم الأخلاقية. ثالثاً:بناء قدرة مرنة داخل النظام الإقتصادي، لمواجهة الصدمات الخارجية والتغيرات المفاجئة في الأسواق.الركائز الثلاث السابقة تقتضى توظيف العلوم والخبرات الفنية والتكنولوجية بشكل صحيح ومناسب للواقع المحلي.مع الإلتزام بالجانب الأخلاقى والقيمى لتكنولوجيا الذكاء الإصطناعي،والتركيز على التعاون المشترك والمسئولية المجتمعية والبيئية.وإن كنا نعتقد بأن الإكتفاء الغذائي وتطوير الريف هما الأساس لبناء الجمهورية الجديدة فى ظل فلسفة الإقتصاد الكافى. لذا يتطلب الأمر تحقيق أقصى إستفادة من الموارد المائية للأراضي الزراعية خلال فترات الجفاف وتطبيق تقنيات “النظرية الجديدة” لتحقيق إكتفاء مستدام. مع التوجه نحو الإعتماد على التمويل المحلي الذاتي للمشاريع القومية، كما حدث في حفر قناة السويس الجديدة عام 2015.ومع ذلك لا يجب أن ننسى عبقرية مشروع حياة كريمة بتمكين أهل القرى، وإحياء الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الإقتصاد، وضمان توفير الإحتياجات الأساسية محلياً لتجنب النزوح الجماعي نحو المدن المكتظة، وهى تجربة نجحت تماماً فى قرية الشعراء بمحافظة دمياط التى كانت المصنع الأكبر للأثاث فى مصر والعالم.وهذا يرتبط باليقين بأنه لا تنمية بدون التنمية القائمة على الإنسان، لذا فإن الواقع يقتضي تخصيص نحو 20% إلى 25% من ميزانية الدولة السنوية للتعليم والتدريب لبناء جيل مبتكر. فالجمهورية الجديدة يجب أن تسعى بكل السبل للوصول بالمجتمع إلى الرفاهية المعتدلة، مع التركيز على القضاء التام على الفقر المدقع كأولوية تسبق مراكمة الثروات الفردية الفاحشة. وهذا ما يجعلنا نطالب بضرورة أن يراعى المشاركين المحتملين فى إعادة صياغة برنامج وطني إقتصادي شامل للدولة المصرية لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، ضرورة صياغة خطة عمل متكاملة،بهدف الإنتقال بالاقتصاد من مرحلة تثبيت الإستقرار إلى مرحلة النمو المستدام، مما ينعكس مباشرة على تعزيز قدرة الدولة التنافسية، مع تعزيز قدرة الدولة المصرية على تحسين مؤشراتها الإقتصادية والربط التكميلي بين عمليتى النمو والتنمية.وهذا يتطلب البدء في إستقراء النماذج التنموية العالمية الناجحة عند صياغة هذا البرنامج الوطني، والتى تشترك جميعها فى مجموعة من القواسم المشتركة،وهو ما سوف نتناوله فى المقال القادم،إن شاء الله.





