مقالات
أخر الأخبار

المشروع الوطني الجامع للسودان… بين الفكرة والضرورة

في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الدول، لا تعود الشعارات السياسية كافية، ولا تكفي المعالجات الجزئية لإيقاف التدهور. ويصبح السؤال الحقيقي هو: كيف يُعاد بناء الوطن على أساس يرضى به الجميع ويشعر فيه المواطن بأنه شريك لا تابع؟

في الحالة السودانية، يبرز اليوم مفهوم “المشروع الوطني الجامع” كضرورة أكثر من كونه خياراً سياسياً. وهو ليس شعاراً جديداً يُضاف إلى قائمة طويلة من الشعارات، بل محاولة لصياغة عقد مختلف يضع السودان كله على طاولة واحدة، دون إقصاء أو احتكار أو تغليب لفئة على أخرى.

يقوم هذا المشروع على قناعة أساسية مفادها أن السودان لا يمكن أن يُبنى من طرف واحد، ولا يستقر بميزان القوة وحده، ولا ينهض عبر الانقسام. بل يحتاج إلى توافق واسع يشارك فيه الجميع، لأن الوطن أكبر من أي تنظيم أو حزب أو جهة أو رؤية منفردة.

أول مرتكزات هذا المشروع هو إنهاء الحرب وبناء سلام حقيقي ومستدام، لا يقوم فقط على وقف إطلاق النار، بل على معالجة جذور الصراع، وإعادة توحيد السلاح تحت سلطة دولة واحدة، وفتح مسار شامل للعدالة والمصالحة الوطنية، بما يمنع تكرار دوائر العنف.

أما المرتكز الثاني فهو بناء دولة المؤسسات، لا دولة الأشخاص. دولة يكون فيها القضاء مستقلاً، والجيش قومياً ومهنياً، وأجهزة الدولة محايدة، والسلطة السياسية خاضعة للقانون والتداول السلمي، لا محكومة بالولاءات أو موازين القوة المؤقتة.

وفي قلب أي مشروع وطني حقيقي تأتي العدالة والمحاسبة. فلا يمكن لدولة أن تستقر في ظل الإفلات من العقاب أو غياب الإنصاف. لكن العدالة هنا ليست انتقاماً، بل منظومة تحفظ الحقوق، وتعيد الاعتبار، وتمنع تكرار الأخطاء، وتغلق أبواب الثأر المفتوح.

كما أن المشروع الوطني لا يمكن أن يقوم دون التركيز على الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للسودان. فالتنمية ليست في الموارد وحدها، بل في التعليم والصحة والبنية التحتية وتمكين الشباب، وبناء قدرات المجتمع ليكون قادراً على الإنتاج والاستقرار.

ومن أهم عناصر هذا المشروع أيضاً صياغة عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وتوزيع عادل للسلطة والثروة، بحيث يشعر كل مواطن أن له مكاناً في الدولة، وأنه جزء من القرار والمصير.

إن المشروع الوطني الجامع ليس مجرد وثيقة سياسية، بل هو محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين السودانيين أنفسهم، وبينهم وبين دولتهم. علاقة تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن الاختلاف لا يعني الهدم، وأن الصراع لا يعني إسقاط الوطن.

يبقى هذا المشروع دعوة مفتوحة لكل السودانيين لإعادة التفكير في المستقبل، ليس من زاوية من يحكم، بل من زاوية كيف تُحكم الدولة، وكيف تُدار، وكيف تُصان كرامة الإنسان فيها.

السودان لا يحتاج إلى إعادة اختراع شعارات جديدة، بقدر ما يحتاج إلى اتفاق صادق على أن الوطن يجب أن يبقى أكبر من الجميع، وأبقى من كل الخلافات.

عاطف محمد ود القوس

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى