عاجلمقالات

حزمة ضريبية وصرامة كوجكية (٢)

د. علاء رزق 

رئيس المنتدى الإستراتيجي للتنمية والسلام

تناولنا فى المقال السابق أهداف إصدار الرئيس السيسى حزمة من التسهيلات الضريبية “الثالثة”مع الموافقة على مقترح لإصدار “الصكوك الضريبية”، مع التأكيد بأن هذه القرارات الإقتصادية الرئاسية لاشك أنها ستؤدي إلى تحفيز الإستثمار وبناء الثقة مع المستثمرين الأجانب والممولين ،كذلك تبسيط الإجراءات بالتحول الرقمي عبر تقليل البيروقراطية من خلال ميكنة وتبسيط المعاملات الإجرائية. مع التحذير بأنه رغم كل ما تم اتخاذه من إجراءات سابقة لم تتجاوز الإيرادات الضريبية 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة بعيدة كل البعد عن النسبة الواجب الوصول إليها وهي 25% من الناتج المحلي الإجمالي وهي النسبة العالمية للإقتصاديات التي تتشابه معنا.وان الوصول إلى هذه النسبة يستدعي العمل على توسيع القاعدة الضريبية،ومع ضمان أن تدعم هذه الحزم والتسهيلات الممنوحة مؤشرات المالية العامة والنمو الإقتصادي، وقد طالبنا بأن تكون لدى الدكتور أحمد كوجك وزير المالية الصرامة والجدية اللازمتين لنقل رؤية الرئيس السيسى إلى واقع فعلى ومنهجى يبنى عليه الإقتصاد الوطني ملامح مرحلة ما بعد 2030. الصرامة الضريبية المطلوبة في عهد أحمد كوجك يجب أن تكون قادرة على تعزيز الإيرادات العامة،مع خفض الإعتماد على الديون الخارجية والداخلية لتمويل الموازنة العامة، وأن هذه الصرامة إن لم تتحقق معها العدالة الإجتماعية فلا جدوى منها ،وقد أكدنا أن الأهم هو تفعيل سيادة القانون ، عبر ترسيخ مبدأ المحاسبة والإمتثال للقوانين دون إستثناءات.وهو ما أشار إليه الأستاذ الدكتور/ محمد عبد الفتاح محمد،أستاذ المراجعة بكلية التجارة جامعة عين شمس، والذى أكد على أن الصكوك الضريبية يمكن اعتبارها تصوراً مستحدثا ضمن منظومة إدارة الدين الداخلي.إلا أن تطبيقها يتطلب إطاراً قانونياً ومحاسبياً ومالياً دقيقاً، حتى لا تتحول إلى وسيلة لزيادة المديونية المقنعة أو إلى أداة تؤثر سلباً في مرونة السياسة المالية مستقبلا ، ورغم المزايا المحتملة، فإن الصكوك الضريبية ليست خالية من المخاطر. ويأتي في مقدمتها خطر المبالغة في تقدير الإيرادات الضريبية المستقبلية.كما أن تخصيص جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية لخدمة الدين قد يقلل من مرونة الموازنة العامة.وتوجد كذلك مخاطر قانونية ومؤسسية، إذ يجب تحديد الطبيعة القانونية للصك، وحقوق حامليه، ومدى أولوية مستحقاتهم، وآلية التعامل مع انخفاض الإيرادات الضريبية أو تغير النظام الضريبي. ويبقى الأهم الذى أكد عليه الدكتور محمد عبد الفتاح، أن الإفراط في استخدام هذه الأداة قد يؤدي إلى إخفاء الحجم الحقيقي للالتزامات الحكومية إذا لم تسجل بصورة شفافة ضمن مؤشرات الدين العام والالتزامات المحتملة.وعليه، فإن تبني الصكوك الضريبية ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية شاملة لإدارة الدين العام تتضمن تنويع آجال الاستحقاق، وإدارة مخاطر أسعار الفائدة، وتحسين كفاءة الإيرادات العامة، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الشفافية المالية. وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول الصكوك الضريبية من مجرد أداة تمويل مستحدثة إلى وسيلة فعالة لإدارة هيكل الدين الداخلي وتحسين استدامة المالية العامة. واخيرا نتمنى أن يكون المبدأ الأساسي الذى تعتمد عليه الصرامة الكوجكية هو أن تكون الصكوك الضريبية أداة لإدارة الدين وليست وسيلة لتمويل عجز الموازنة بلا حدود. مع ضمان أن تكون الصكوك مولدة لقيمة حقيقية وليست مجرد استهلاك للإيرادات المستقبلية بشكل يضغط على الموازنة العامة لاحقاً.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى