السعودية.. أرض الرسالة وقلب العالم الإسلامي
الكاتب الدكتور / موسى اباظة التميمي
تظل المملكة العربية السعودية حالة استثنائية في وجدان الأمة العربية والإسلامية، فهي ليست مجرد دولة تمتلك تاريخاً عريقاً ومكانة سياسية واقتصادية مؤثرة بل هي أرض ارتبط اسمها بأعظم حدث في تاريخ الإنسانية منها انطلقت رسالة الإسلام وعلى أرضها وُلد خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفيها بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف وإليها تهفو قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾
وفي مكة المكرمة يقف المسجد الحرام والكعبة المشرفة شاهداً على وحدة المسلمين في حيث تتجه إليها الصلوات وتلتقي عندها القلوب مهما اختلفت اللغات والأعراق والبلدان وفي المدينة المنورة يحتضن المسجد النبوي الشريف روضة من رياض الجنة ويقف المسلمون أمام سيرة النبي الكريم التي غيّرت وجه التاريخ وأخرجت البشرية من ظلمات الجاهلية إلى نور التوحيد والهداية
المملكة ومكانتها في وجدان الأمة
إن الحديث عن المملكة العربية السعودية لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن مكة والمدينة والحرمين الشريفين. فهذه المقدسات ليست ملكاً لشعب أو أمة بالمعنى السياسي الضيق وإنما لها مكانة روحية عظيمة لدى أكثر من مليار مسلم حول العالم
ومن هنا اكتسبت المملكة مسؤولية تاريخية ودينية كبرى في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن وتوفير سبل الأمن والراحة لهم أثناء أداء مناسك الحج والعمرة
وقد شهدت منظومة الحج والعمرة خلال العقود الماضية توسعات كبيرة في البنية التحتية والخدمات والتنظيم بهدف استيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين وتيسير أداء المناسك
السعودية بين الأصالة والحداثة
المملكة العربية السعودية اليوم ليست فقط دولة ذات ثقل ديني بل هي دولة ذات حضور اقتصادي وسياسي وثقافي متزايد على المستوى الدولي
وقد انتقلت المملكة خلال العقود الماضية من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على النفط إلى مسار أوسع لتنويع الاقتصاد وتطوير قطاعات السياحة والتقنية والصناعة والخدمات والطاقة والاستثمار والثقافة والرياضة
ويأتي رؤية السعودية 2030 بوصفها إطاراً للتحول الاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى المملكة من خلاله إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وتعزيز دور القطاع الخاص والاستثمار وتطوير قطاعات جديدة
ومع هذا التحول تبقى الهوية السعودية المرتبطة بتاريخ الجزيرة العربية وتراثها وقيمها الدينية والثقافية عنصراً أساسياً في شخصية المملكة
السعودية ودورها العربي والإسلامي
تحتل المملكة موقعاً مهماً في العالم العربي والإسلامي بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي ومكانتها الدينية وعلاقاتها الواسعة مع الدول العربية والإسلامية
وقد ارتبط اسم المملكة عبر عقود بمبادرات ومؤسسات وأعمال إغاثية وإنسانية في مناطق مختلفة من العالم كما تستضيف مؤتمرات وفعاليات ذات طابع عربي وإسلامي ودولي
ولا يمكن النظر إلى دور المملكة في محيطها من زاوية سياسية واحدة لأن تأثيرها يمتد إلى مجالات متعددة تشمل الاقتصاد والطاقة والاستثمار والعمل الإنساني والثقافة والحوار الدولي
أمن المملكة مسؤولية إقليمية ودولية
إن استقرار المملكة العربية السعودية له أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، نظراً إلى موقعها ومكانتها الدينية والاقتصادية وتأثيرها في المنطقة
وأمن مكة المكرمة والمدينة المنورة وسلامة الحجاج والمعتمرين يمثلان قضية تتعلق بمئات الملايين من المسلمين الذين يرتبطون بالحرمين الشريفين ارتباطاً روحياً عميقاً
ولهذا فإن احترام سيادة المملكة وأمن أراضيها وسلامة مواطنيها وزوارها يجب أن يكون جزءاً من منظومة احترام الأمن والاستقرار في المنطقة مع ضرورة معالجة الخلافات الإقليمية عبر الحوار والدبلوماسية والقنوات السياسية المشروعة بعيداً عن استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية
السعودية في عيون العالم
لقد أصبحت المملكة في السنوات الأخيرة حاضرة بصورة متزايدة على الساحة الدولية ليس فقط باعتبارها دولة منتجة للطاقة وإنما باعتبارها مركزاً اقتصادياً واستثمارياً مهماً ودولة تستضيف فعاليات عالمية كبرى وتسعى إلى توسيع حضورها في مجالات التكنولوجيا والسياحة والثقافة والرياضة
ومع ذلك فإن أعظم ما يميز المملكة في وجدان المسلمين لا يرتبط بحجم الاقتصاد أو قوة السياسة وإنما بتلك البقعة المباركة التي تحتضن الكعبة المشرفة وبالمدينة التي شهدت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وبناء أول مجتمع إسلامي
كلمة من القلب
يا مملكة الخير والسلام…
يا أرض مكة والمدينة…
يا أرضاً ارتبط اسمها ببيت الله الحرام وبسيرة خاتم الأنبياء والمرسلين…
ستبقين حاضرة في قلب كل مسلم مهما ابتعدت المسافات واختلفت البلدان
إن قوة المملكة الحقيقية لا تكمن فقط في مواردها وثرواتها ومكانتها السياسية والاقتصادية وإنما أيضاً في مكانتها الروحية والتاريخية وفي مسؤوليتها تجاه الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن
والمطلوب من أبناء الأمة العربية والإسلامية أن ينظروا إلى المملكة بعين الحكمة والوعي وأن يفرقوا بين الاختلاف السياسي المشروع وبين المساس بالمقدسات أو استهداف المدنيين أو تهديد أمن الدول والشعوب
فالأمة التي جمعتها القبلة الواحدة والقرآن الكريم ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قادرة على أن تجعل من الحوار جسراً للتفاهم ومن التعاون طريقاً للأمن والاستقرار ومن احترام المقدسات قاعدة تجمع ولا تفرق
حفظ الله المملكة العربية السعودية وشعبها وحفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة وأدام على بلاد الحرمين الشريفين الأمن والاستقرار ووفق قيادتها وشعبها لكل ما فيه خير المملكة والأمة العربية والإسلامية
إنها السعودية… أرض الرسالة، وبلاد الحرمين، ومكانة راسخة في قلب العالم الإسلامي





